سيطر مفهوم التعتيم الإعلامي، والتضليل على مجريات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي امتدت إلى عمليات عسكرية ضد دول الخليج، منذ أن بدأت بعدوان على إيران في 28 فبراير 2026، واتسع نطاقها بإقحام دول الخليج فيها.
وبدا واضحا أن الإعلام طرف أصيل في هذه الحرب، من خلال حالة من التعتيم الشديد، وسط حصار شديد علي تدفق المعلومات الدقيقة حول ما يجري من وقائع على الأرض، وتراجعت حريات الإعلام بشكل ملموس، ليضاف إلى حريات إعلامية منقوصة أساسا.
والأسوأ في الجانب الإعلامي منذ بداية الحرب هو جانب التضليل، والذي اعتمد على "الذكاء الاصطناعي" ليعلو التزييف بشكل كبير جداً خلال أيام الحرب، بهدف الكسب السياسي والعسكري، أمام الرأي العام، وتبييض وجوه الحكومات والأنظمة.
ورصدت تقارير بحثية ومعلوماتية هذه الوقائع والتي تكشف حجم التشدد والتزييف، فعلى لسان "جوناثان داغر" مدير مكتب الشرق الأوسط في مراسلون بلا حدود، وصف في كلمات مباشرة أوضاع الإعلام منذ بدء الحرب في دول لها علاقات مباشرة وأخرى غير مباشرة، قائلا "عمدت حكومات تلك دول عديدة إلى تشديد إجراءاتها القمعية، وما ترتب عنها من تشديد للخناق المفروض على الصحفيين وذلك منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما أعقبه من ضربات إيرانية استهدفت عدة بلدان في المنطقة، ولا سيما دول الخليج والأردن".
ومن الكلمات المهمة التي صاغها "داغر" قوله "صحيح أن اعتبارات الأمن القومي ومكافحة الدعاية تطرح هواجس مشروعة، لكن ذلك ينبغي ألا يكون على حساب حق المواطنين والمواطِنات في الوصول إلى المعلومات، ولا شك فإن حظر التغطية الإعلامية بصورة عامة ومبهمة باسم الأمن والنظام العام يمثل انتهاكاً صارخاً لهذا الحق الأساسي، والغريب في الأمر أن تصاعد دوامة العنف خلال أيام الحرب بات ذريعة خطيرة لتشديد القيود المفروضة على حرية الصحافة.
وحول الإعلام في إيران تشير رانيا مكرم الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في دراسة لها إلى أن طهران تنتهج سياسة الإدارة المركزية على وسائل الإعلام في البلاد، والتي تتزايد خلال الأزمات، حيث يسيطر النظام والحرس الثوري على تدفق المعلومات والأخبار، بفرض سردية رسمية لمنع اي تسريبات، خشية على المعنويات داخلياً.
ولوحظ اتباع سياسة حجب وتقييد المواقع المستقلة خلال الحرب الحالية مع فرض رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتركيز على القنوات الرسمية والصحف والمواقع الإلكترونية المملوكة للدولة، وذلك بهدف تقديم صورة منظمة للصراع، لإظهار إيران قوية ومتماسكة.
ولا شك أن هذا يؤكد على الدور المؤثر للإعلام في توجيه الراي العام، وخشية الحكومات منه، باتخاذ إجراءات متشددة تصل إلى اعتقال الصحفيين.
وفي جانب أخر للإعلام ولكن هذه المرة من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي، بهدف التزييف للحقائق ونشر محتوى مزيف كليا، وهو الأمر الذي تجلي مع الحرب الأوكرانية الروسية، وبرز في الحرب على غزة، واشتعل في حرب أمريكا وإسرائيل على إيران.
وبينت هذا الاستخدام دراسة نشرها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، واعدتها د. فاطمة الزهراء عبد الفتاح أستاذ مساعد ووكيل كلية الإعلام جامعة الأهرام الكندية، والتي ترى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية منذ 28 فبراير 2026، مثلت نموذجاً حياً لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في توليد المحتوى المزيف لأغراض الدعاية السياسية والعسكرية.
وهذا المشهد توسع عبر توظيف ممنهج للمحتوى المولد في الأزمات، لبناء سرديات تشتت الرأي العام وتلوث مصادر المعلومات العامة، وتعوق القدرة على تقدير المواقف في فترات مرتبكة بالأساس، لما تحمله من ضغوط تجعل المتلقين أقل قدرة على الفرز والتحقق وسط حالة من الغموض وعدم التأكد.
ومن الواضح وفق ما انتهت إليه الدراسة أن كل طرف يعمد إلى التكتم على خسائره، وتضخيم خسائر الآخر، بما يخلق حالة من الفراغ المعلوماتي وبيئة من عدم اليقين، كما تعزز انتشار الفيديوهات المولدة ليس كأكاذيب، وإنما كتفسيرات محتملة لا يمكن التحقق منها.
ويتحول الذكاء الاصطناعي حينذاك إلى أداة لملء هذا الفراغ، يتلقفها المستخدمون تحت ضغوط الاستقطاب في أوقات الصراع، التي تقلل قدراتهم على التحقق وتجعلهم أكثر عُرضة لتصديق المحتوى المولد؛ بل وتبني مقولاته إذا كانت تتسق مع ما يؤيدونه؛ حيث يميل المتلقي إلى تأكيد قراراته بالتعرض إلى المحتوى الذي يتسق مع ما يؤمن به ويعتقده؛ وهو ما يقلل قدرته على التفنيد العقلي بفعل الانحياز العاطفي؛ بل واتهام المفندين بالتحيز المغرض.
وهناك من يتهم إيران بالوقوف خلف نشر مقاطع وتنظيم حملات منسقة لنشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما قامت الولايات المتحدة باستخدام مواد دعائية تمزج بين لقطات حقيقية ومشاهد من أفلام وألعاب فيديو لتمجيد القوة العسكرية الأمريكية؛ وهو الاستخدام الذي لم يقدم كتزييف؛ بل كوسيلة فعالة لإظهار القوة، حسب وصف المتحدثة باسم البيت الأبيض.
النتيجة الواقعية تؤكد أن الإعلام والأمريكي منه بشكل خاص لعب دوراً محوريا في التأسيس لحرب نفسية ومعلوماتية مساندة للعدوان العسكري، بالتركيز على تضخيم قدرات الهجمات الأمريكية منذ بدء الحرب في 28 فبراير وحتى الآن، ووسيلة لتبرير سياسات التصعيد، وتشويه صورة إيران، بينما انقسم بين الترويج لأهداف ترامب وبين نقل تداعيات التوتر، في سياق معركة تضليل شاملة شملت استهداف البنية التحتية الإيرانية.
وروج الإعلام الأمريكي لضرورة استهداف إيران، وتصويرها كتهديد وجودي للمنطقة، وتبني مقولة حتمية الصدام، والفناء لها، مع مشاركة واضحة في حملات خداع استراتيجي، لإيهام إيران بوقائع ميدانية غير صحيحة، فيما يرى البعض أن هذا غير ملموس في الإعلام الإيراني.
-----------------------------------
بقلم: محمود الحضري






